الطبراني
168
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ؛ يعني الذين عبدوا العجل : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ؛ أي أضررتم أنفسكم ، بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ ؛ إلها . فقالوا : فإيش نصنع ؛ وما الحيلة ؟ فقال : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ ؛ أي فارجعوا إلى خالقكم . وكان أبو عمرو يختلس الهمزة إلى الجزم في قوله : ( باريكم ، ويأمركم ، ويشعركم ، وينصركم ) طلبا للخفّة . وقوله تعالى : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ؛ أي يقتل البريء المجرم ، قوله تعالى : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ؛ يعني القتل . قال ابن عباس : ( أبى اللّه عزّ وجلّ أن يقبل توبة بني إسرائيل إلّا بالحال الّذي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل ) . وقال قتادة : ( جعل اللّه توبتهم القتل ؛ لأنّهم ارتدّوا . والكفر يبيح الدّم ) . وقرأ قتادة : ( فاقتالوا أنفسكم ) من الإقالة ؛ أي استقيلوا العثرة بالتوبة . فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا : نصبر لأمر اللّه تعالى ، فجلسوا بالأفنية محسّبين وأصلب عليهم القوم الخناجر ؛ فكان الرجل يرى ابنه وأخاه وأباه وقريبه وصديقه فلا يمكنهم إلا المضيّ لأمر اللّه . وقيل لهم : من حلّ جيوبه أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتّقى بيده أو رجله فهو ملعون مردودة توبته ؛ فكانوا يقتلونهم إلى المساء . فلما كثر فيهم القتل عاد موسى وهارون وبكيا وتضرّعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية ؛ فأمرهم اللّه تعالى أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفّوا عن القتل وقد قتل منهم ألوف كثيرة فاشتدّ ذلك على موسى ، فأوحى اللّه تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ؛ فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي منهم كفّر عنه ذنوبه ، وذلك قوله تعالى : فَتابَ عَلَيْكُمْ ؛ أي ففعلتم ما أمركم به فتاب عليكم ؛ أي فتجاوز عنكم ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) . وفي بعض التفاسير : أن موسى عليه السّلام قال لهم بعد ما رجع من الجبل وأعطاه اللّه التوراة : أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادتكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ؛ أي ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل . فقالوا : يا موسى نحن نفعل ذلك ، فأخذ عليهم المواثيق ليصبرنّ على القتل ، فأصبحوا بأفنية البيوت كل بني أب على حدة فأتاهم هارون والاثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل بالسيوف ، فقال لهم